Section 51 in al-Adab al-kabīr


مطلبٌ في تحذير جليس السلطان من الاستئثار بصحبته إذا أصبتَ عند السلطان لُطْفَ منزلة لغَناء يَجِده عندك أو هوًى يكون له فيك فلا تَطْمحنَّ كلَّ الطِّماح ولا تُزيِّننَّ لك نفسُك المزايلة له عن أليفه وموضع ثقته وسرِّه قَبْلَك تريد أنْ تقْلَعه وتَدْخُل دونه فإنَّ هذه خَلَّة من خلال السَّفه قد يُبْتلَى بها الحُلماءُ عند الدُّنُوِّ من السلطان حتى يُحدِّثَ الرجل منهم نفسه أنْ يكون دون الأهل والولد لفضلٍ يظُنُّه بنفسه أو نقصٍ يظنه بغيره ولكلِّ رجلٍ من الملوك أو ذوي هيئةٍ من السُّوقة أليفٌ وأنيسٌ قد عَرف روحه واطَّلع على قلبه فليستْ عليه مئونة في تبذُّل يتبذَّلُه عنده أو رأيٍ يسْتَبِين منه أو سرٍّ يفشيه إليه غير أنَّ تلك الأنَسَة وذلك الإلْف يَسْتخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهرَ منه عند الانقباض والتشدُّد ولو التمس مُلتمسٌ مثل ذلك عند مَن يستأنِف ملاطفته ومؤانسته ومناسمته وإنْ كان ذا فضل في الرأي وبسطةٍ في العلم لم يجد عنده مثل ما هو منتفعٌ به ممن هو دون ذلك في الرأي ممن قد كُفي مؤانستَه ووقع على طباعه لأنَّ الأنَسَةَ رَوْح للقلوب وأنَّ الوَحْشة رَوْع عليها ولا يَلْتَاط بالقلوب إلَّا ما لانَ عليها ومَنِ استقبل الأُنس بالوحشة استقبلَ أمرًا ذا مئونة فإذا كلَّفتْك نفسُك السُّمُوَّ إلى منزلة من وصفتُ لك فاقْدَعْها عن ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس وإذا حدَّثْتك نفسك أو غيرُك ممن لعلَّه أنْ يكون عنده فضل في مُرُوءة أنك أولى بالمنزلة عند السلطان من بعض دُخلائه وثقاته فاذكر الذي على السلطان من حقِّ أليفه وثقته وأنيسه في التكرِمة والمكانة والرأي والذي يُعينه على ذلك من الرأي أنه يَجِدُ عنده من الألف والأنس ما ليس واجدًا عند غيره فليكن هذا مما تتحفَّظ فيه على نفسك وتعرفُ فيه عذر السلطان ورأيه والرأي لنفسك مِثلُ ذلك إن أرادك مريدٌ على الدخول دون أليفك وأنيسك وموضع ثقتك وسرِّك وجِدِّك وهزلك واعلم أنه يكاد يكون لكل رجل غالبة حديث لا يزال يُحدِّث به إمَّا عن بلد من البُلدان أو ضَرْبٍ من ضروب العلم أو صِنف من صنوف الناس أو وجه من وجوه الرأي وعندما يُغرَمُ به الرجل من ذلك يبدُو منه السُّخْف ويُعرَف منه الهوى فاجتنب ذلك في كل موطن ثمَّ عند السلطان خاصَّةً

Verbatim

Similar