Section 85 in al-Adab al-kabīr


مطلبٌ في ذمِّ الغرام بالنساء والتحذير منه اعلمْ أنَّ مِن أوقع الأمور في الدِّين وأنهكها للجسد وأتلفها للمال وأقتلها للعقل وأزراها للمروءة وأسرعها في ذهاب الجلالةِ والوقارِ الغرامُ بالنساء ومن البلاء على المُغْرَم بهنَّ أنَّه لا ينفك يأجمُ ما عنده وتطمحُ عيناه إلى ما ليس عنده منهنَّ وإنما النساء أشباهٌ وما يَتَزَيَّنُ في العيون والقلوب من فضْل مجهولاتهنَّ على معروفاتهنَّ باطلٌ وخُدْعةٌ بل كثير مما يَرْغَبُ عنه الراغب مما عنده أفضلُ مما تتوق إِليه نفسه منهنَّ وإنما المرتغِبُ عما في رَحله منهنَّ إلى ما في رِحال الناس كالمرتغِبِ عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام وما في رحال الناس من الأطعمة أشدُّ تفاضلًا وتفاوتًا مما في رحالهم من النساء ومن العَجَب أنَّ الرجل الذي لا بأس بلُبِّهِ ورأيه يرى المرأة من بعيد متلفِّفَةً في ثيابها فيصوِّرُ لها في قلبه الحسنَ والجمالَ حتى تَعْلَقَ بها نفسُه من غير رُؤية ولا خَبَرِ مُخبِرٍ ثم لعله يهجم منها على أقبح القُبح وأذَمِّ الدَّمامة فلا يعظه ذلك ولا يقطعه عن أمثالها ولا يزال مشعوفًا بما لم يذُق حتى لو لم يبقَ في الأرض غيرُ امرأةٍ واحدةٍ لظنَّ أنَّ لها شأنًا غير شأن ما ذاق وهذا هو الحُمقُ والشقاءُ والسفهُ ومن لم يَحْمِ نفسه ويُطَلِّقها ويُحَلِّئها عن الطعام والشراب والنساء في بعض ساعاتِ شهوته وقُدرته كان أيسر ما يصيبه من وبال ذلك انقطاعُ تلك اللذَّات عنه بخمود نار شهوته وضُعْف حوامل جسده وقلَّ من تجدُه إلا مخادِعًا لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحِمْية والدواء وفي أمر مُرُوءته عند الأهواء والشهوات وفي أمر دِينه عند الرِّيبة والشبهة والطمع

Verbatim