Section 36 in al-Adab al-kabīr


مطلبٌ في تحذير مصاحب السلطان أنْ يغتر باستئناسه إنْ ابتُليتَ بصحبة السلطان فعليك بطول المواظبة في غير معاتبة ولا يُحْدِثَنَّ لك الاستئناسُ به غفلةً ولا تهاونًا إذا رأيتَ السلطان يجعلك أخًا فاجعله أبًا ثم إن زادك فزِدْه إذا نَزَلْتَ مِن ذِي منزلة أو سُلطان فلا تَرَيَنَّ أنَّ سلطانه زادك له توقيرًا وإجلالًا من غير أنْ يزيدك وُدًّا ولا نصحًا وأنك ترى حقًّا له التوقير والإجلال وكن في مداراته والرفق به كالمؤتنف ما قبله ولا تُقدِّر الأمر بينك وبينه على ما كنتَ تعرف من أخلاقه فإن الأخلاق مستحيلة مع المُلك وربما رأينا الرجل المُدِلَّ على ذي السلطان بقِدَمه قد أضرَّ به قِدَمه إنْ استطعتَ ألَّا تصحَبَ مَن صَحِبْت مِنَ الولاة إلَّا على شُعْبة من قرابة أو مودَّة فافعل فإن أخطأك ذلك فاعلم أنك إنما تعمل على السُّخْرة إنْ استطعت أنْ تجعل صُحْبَتَك لمن قد عَرَفَك بصالح مُرُوءَتك وصحَّة دِينك وسلامة أُمورك قبل ولايته فافعل فإنَّ الوالي لا عِلْمَ له بالناس إلَّا ما قد عَلِمَ قبل ولايته أمَّا إذا وَلي فكلُّ الناس يلقاه بالتزيُّن والتصنُّع وكلهم يحتال لأنْ يُثنَى عليه عنده بما ليس فيه غير أنَّ الأنذال والأرذال هم أشدُّ لذلك تصنُّعًا وأشدُّ عليه مثابرة وفيه تمحُّلًا فلا يمتنع الوالي وإنْ كان بليغ الرأي والنظر من أنْ يَنْزِل عنده كثيرٌ من الأشرار بمنزلة الأخيار وكثيرٌ من الخانة بمنزلة الأُمَنَاء وكثيرٌ من الغَدَرَة بمنزلة الأوفياء ويغَطَّى عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنُّع

Verbatim