Section 2 in 3) Life of Burzoy, Kalīla wa-Dimna


وكان مما ابتدأني به ربِّي من نِعَمِه أني كنتُ من أكرم وَلَد أبويِّ عليهما وأنهما أسلماني في تعليم الطب لمَّا صار لي من عمري سبعُ سنين فلمَّا بلغتُ وعرفتُ أمر الطب وفضلَه شكرت رأيَهما في ذلك ورغبتُ في تعلمه حتى إذا شدوت منه عِلمًا وبلغت فيه ما أمنتُ له نفسي على مداواة المرضى وهممت بذلك آمرتُ نفسي وذكَّرتها وخيَّرتها بين الأمور الأربعة التي إياها يطلب الناس ولها يَسْعَوْنَ وإليها يَجِدُّون فقلتُ أيُّ هذه الخلال ينبغي لمثلي أن يلتمس وأيها أحرَى إن هو بغاه أن يُدرِك منه حاجته آلمالُ أم اللذاتُ أم الصوت أم أجرُ الآخرة واستدللتُ على المختار من ذلك فوجدت الطبَّ محمودًا عند العُقلاء ولم أجده مذمومًا عند أحد من أهل الأديان والملل وأصبت في كتبهم أنَّ أفضل الأطباء من واظب على طبِّه لا يُريد بذلك إلَّا الآخرة فرأيتُ أن أواظبَ عليه أبتغي ذلك ولا ألتمس له ثمنًا ولا أكونَ كالتاجر الخاسر الذي باع ياقوتة كان مُصيبًا من ثمنها غِنَى الدهر بخرزة لا تساوي شيئًا ووجدت في كتبهم أيضًا أنَّ الطبيب المبتغي بطبِّه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك من حظِّه في الدنيا فإنما مثله في ذلك مثل الحرَّاث الذي يُثير أرضه ويَعمُرها ابتغاء الزَّرع لا العشب ثم هي لا محالة نابتٌ فيها ألوانٌ منه فأقبلتُ على مداواة المرضى رجاء ذلك فلم أَدَعْ مريضًا أرجو له البُرء وأطمع له في خفة الوجَع إلَّا بلغتُ في معالجته جُهدي ومن قَدَرتُ على القيام عليه قمتُ عليه وفعلتُ به ذلك وإلَّا وصفت له ولم أُرِدْ لشيء من ذلك جزاءً ولا مكافأةً ممن فعلته به ولم أغبط من نُظَرائي ومن هو مثلي في العلم وفوقي في المال أحدًا إلَّا بعين صلاح أو حسن سيرة في الناس قولًا وعملًا وكنت أقرِّع نفسي إذا هي نازعتني إلى أن تغبِط أولئك وتتمنى منازلهم وآبَى لها إلَّا الخصومة وأقولُ يا نفس أما تعرفين نفعك من ضُرِّك ألَّا تنتهين عن الرَّغبة فيما لم يَنَلْه أحد إلَّا قلَّ انتفاعه به وكثُر عناؤه فيه واشتدت مئونته عليه عند فراقه وعظمت التبعة عليه بعده يا نفس أما تذكُرين ما أمامَك فَتَنْسَيْ ما تَشرَهين إليه فيما بين يديك ألا تستحين من مُشاركة الفجرة الجُهَّال في حب هذه الفانية البائدة التي من كان في يده منها شيءٌ فليس له ولا بباقٍ عليه والتي لا يألفها إلَّا المغترُّون الغافلون